مصطفى صادق الرافعي

210

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

عن كثير من الطاعة ، ومناسبة أصحاب التشديق ، ومن كان كذلك كان أشدّ افتقارا إلى السامع من السامع إليه ؛ لشغفه أن يذكر في البلغاء ، وصبابته باللحاق بالشعراء ، ومن كان كذلك غلبت عليه المنافسة والمغالبة ، وولد ذلك في قلبه شدة الحمية وحب المجاوبة ، ومن سخف هذا السّخف وغلب الشيطان عليه هذه الغلبة ، كانت حاله داعية إلى قول الزور والفخر بالكذب وصرف الرغبة إلى الناس ، والإفراط في مديح من أعطاه وذم من منعه ؛ فنزه اللّه رسوله ، ولم يعلّمه الكتاب والحساب ، ولم يرغبه في صنعة الكلام ، والتعبّد لطلب الألفاظ ، والتكلف لاستخراج المعاني ، فجمع له باله كله في الدعاء إلى اللّه ، والصبر عليه ، والمجاهدة والانبتات إليه ، والميل إلى كل ما قرّب منه ؛ فأعطاه الإخلاص الذي لا يشوبه رياء ، واليقين الذي لا يطوره شك ، والعزم المتمكن ، والقوّة الفاضلة ، فإذا رأت مكانه الشعراء ، وفهمته الخطباء ، ومن قد تعبّد للمعاني ، وتعوّد نظمها وتنضيدها ، وتأليفها وتنسيقها واستخراجها من مدافنها ، وإثارتها من أماكنها - علموا أنهم لا يبلغون بجميع ما معهم مما قد استفرغهم واستغرق مجهودهم ، وبكثير ما قد حاولوه قليلا مما يكون منه على البداهة والفجاءة ؛ من غير تقدم في طلبه ، واختلاف إلى أهله ، وكانوا مع تلك المقامات والسياسات ، ومع تلك الكلف والرياضات لا ينفكون في بعض تلك المقامات من بعض الاستكراه والزلل ، ومن بعض التعقيد والخطل ، ومن التفنن والانتشار ، ومن التشديق والإكثار ، ورأوه مع ذلك يقول : « إياي والتشادق » ، و « أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون » ثم رأوه في جميع دهره في غاية التسديد ، والصواب التام ، والعصمة الفاضلة ، والتأييد الكريم - علموا أن ذلك من ثمرة الحكمة ، ونتاج التوفيق ، وأن تلك الحكمة من ثمرة التقوى ، ونتاج الإخلاص . « وللسلف الطيب حكم وخطب كثيرة ، صحيحة ومدخولة ، لا يخفى شأنها على نقّاد الألفاظ وجهابذة المعاني ، متميزة عند الرواة الخلّص ، وما بلغنا عن أحد من جميع الناس أن أحدا ولد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خطبة واحدة فهذا وما قبله حجة في تأويل ذلك الحديث » ا ه - . نفي الشعر عنه صلّى اللّه عليه وسلم ونحن نتم القول فيما بدأ به الجاحظ آنفا ، من تنزيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن الشعر ، وأنه لا ينبغي له ، فإن الخبر في ذلك مكشوف متظاهر والروايات صحيحة متواترة ، وقد قال اللّه تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ فكان عليه الصلاة والسلام لا يتهدّى إلى إقامة وزن الشعر إذا هو تمثل بيتا منه بل يكسره ويتمثل البيت مكسورا ! مع أن ذلك لا يعرض البتة لأحد من الناس في كل حالاته ، عربيا كان أو أعجميا ، فقد يتعتع المرء في بيت من الشعر ينساه أو ينسى الكلمة منه ؛ فلا يقيم وزنه